motiontrends.com
Since 2000
Automotive
Technology
Arabic articles for the press with a flexible payment system, per article or on a monthly basis (easy cancellation), as well as copy writing & translation for the industry. More...
Only samples are provided on this site. Jobs delivered to clients are never published on this site, unless otherwise agreed in advance.
Many more to see...
منذ العام 2000
تكنولوجيا السيارات
مواضيع للصحافة العربية (بالقطعة أو إشتراك، سهولة الشراء والتوقف) وترجمة أو تحرير لصانعي السيارات. لقراءة المزيد...
لا ينشر هذا الموقع إلا نماذج منوعة من مواضيع موشن ترندز منذ العام 2000. يسلّم إنتاجنا مباشرة الى الزبائن، من دون نشره في موقعنا، إلا في حال الإتفاق المسبق.
وهناك المزيد...

مشهد سوريالي قرب جسر "الآنسات"
ضريرٌ يدلّ تائهاً وسط الشارع أمام طابور سيارات متوقف... مذهولاً

Pont des Demoiselles, over the Canal du Midi in Toulouse, France. Photo: Bechara Aboul-Nasr.
"بون دي دوموازيل"، فوق الـ"كانال دو ميدي".

كنت عائداً الى شقتي، بمحاذاة الـ "كانال دو ميدي"، أو قناة الجنوب الفرنسي Canal du Midi التاريخي في تولوز، عندما كسرَ هدوءَ الصباح الربيعي في المدينة الجامعية الثانية في فرنسا، والرائعة بعراقتها وبفتوتها في آن معاً، نداءٌ من الرصيف المقابل، قرب جسر "بون دي دوموازيل"، أو جسر الآنسات Pont des Demoiselles.

خمسيني، عيناه هائمتان في الفراغ. يجول بسمعه، ملوّحاً بعصاه البيضاء.

- "بونجور"، هل يمكنني المساعدة؟ سألته بتحية صباحية تخلع عن السؤال أي إيحاء بالشفقة.

Canal du Midi, Toulouse, France. Photo: Bechara Aboul-Nasr.
جانب من النزهات الممكنة على الـ كانال دو ميدي" جهة تولوز.

- "بونجور"، يرد الرجل بصوت من أيقن أن شخصاً يزمع المساعدة، فخفض عصاه البيضاء. "لو سمحت، هل يمكنك مساعدتي للعبور الى الرصيف المقابل؟ أتدبر أموري جيداً في العادة، لكنهم نقلوا حديثاً المواضع المخصصة للعبور، وعليّ أن أحفظ المعابر الجديدة في تلك الأماكن".

- بكل سرور، أجبتُه. لقد غيّروها بالفعل. هيا بنا، هدأ السيرُ الآن ويمكننا العبور.

وبينما كنا في وسط الطريق، إذا بمارٍ يفاجئنا بإستفساره بعجلة، عن الطريق الى محطة المترو القريبة.

الأخ مطمئن لأنه ليس في وسط الشارع، والضرير لا يرى السيارات المقبلة من بعيد ولا يسمعها بالتالي، لكنني أراها مثلما أراهما، بكل وضوح... وأتجنب جرح مشاعر الضرير بالقول: سنشرح له بعد عبور الطريق أولاً.

ما كان من الضرير الممسك بيدي إلا أن توقف وسط الشارع ليدل التائه، تارة بعصاه وتارة أخرى بيسراه، وأنا أومئ باليد اليسرى الى سائق أولى السيارات المقبلة ليوقفها قبل عبورنا الى الرصيف الآخر، أو الى عالم آخر إن كان السائق الكريم منهمكاً بهاتفه الخلوي.

- تأخذ المنعطف الأول عن يمينك، فتسلك جادة الماريشال فوش حتى نهايتها، يصيح الضرير بعصاه المرفوعة، ثم تنعطف يساراً، وهنا تنزل العصا لترتفع يسراه، تمشي بضع مئات الأمتار في شارع الـ ميدي حتى المستديرة حيث تأخذ المخرج الأول الى اليمين (تعود العصا الى الفلك) ولا تكاد تسير 500 متر حتى تجد مدخل المحطة ينتظرك عن يسارك... وإذا ضللت، تسأل أياً كان هناك وسيدلك فوراً.

في تلك الأثناء، كانت السيارات تتوقف الواحدة تلو الأخرى، بكل تهذيب، مع وقف محركاتها ليسود صمت لا يوحي للضرير بضرورة الإستعجال.

فُرجَت إذاً، فإنطلق الضال بمزيد من العجلة الى محطة المترو، وتابعت مع رفيق الدرب الذي سألني بعدها إن كنت من سكان الحي، كمن يتمنى الدردشة. فإغتنمت الفرصة للإستفسار، وكأني أنا الأعمى الذي يتمنى أن "يبصر" بعقله كيفية تدبر الضرير أمره مع الحواجز التي لا يلاحظها المبصرون، مثل أعمدة شارات السير وغيرها مما لا نلاحظ وجوده إلا عند إرتطام رأسنا به بسبب السهو أو الإلتفات الى الوراء.

بادر رفيق الدرب عندها بالإيضاح أنه لم يولد ضريراً، بل أصيب بمرض خطف بصره تدريجاً حتى تركه أعمى تماماً وهو في العشرين من العمر.

ثم رد على سؤالي مبتسماً: "يخيّل إليكم أنتم الذي تبصرون أن فقدان البصر هو الأصعب، لكن صدّقني، أفضل العمى ألف مرة على الصمم. هل تتصور الحياة وأنت ترى الحركة من حولك، لكنك تعيش في صحراء سمعية؟ لا تستطيع أن تتحدث مع معظم البشر، لا تسمع العصافير، ولا هدير المياه ولا الغناء ولا الأخبار. تلك هي الصحراء المخيفة. أستغني عن البصر ألف مرة لسماع البشر والطبيعة والكون من حولي. أحفظ الإتجاهات وأسمع التوجيهات فلا أعود بحاجة الى الكثير للوصول الى حيث أذهب...

... صحيح أن بعض الأعمدة لا يرانا، يضيف مبتسماً لتخفيف خطورة الموضوع، فنرتطم أحياناً بعمود أعمى مثلنا، أو بحاجز آخر لا "تراه" عصانا البيضاء، وكأنها تعمى بدورها أحياناً، لكننا نتعود على السير بسرعة، ومع العادة، لم تعد تؤلمنا تلك الصدمات كثيراً."

ثم تابع متطرّقاً الى ما يشبه الإجابة على سؤال روتيني آخرَ: "يعتقد الناس أيضاً أننا نفتقد الألوان مثلاً، لكن هذا ليس بتلك الأهمية. هل تخبر أحداً أنك إشتريت أصفرَ أو أخضرَ... ؟ تخبر عن شيء لونه أصفر، لكن كلمة أصفر لا تقدم ولا تؤخر كثيراً. الأهم هو الشيء بذاته، وما اللون إلا إحدى الصفات الكثيرة".

أنهينا محادثتنا بعد دقائق عند منعطف، أستمع الى تجربته المشوّقة، قبل إعادة الشريط الى البداية فور إفتراقنا.

Garonne river in Toulouse, France, opposite to the Daurade and the Beaux-Arts University. Photo: Bechara Aboul-Nasr.
نهر الغارون العابر في تولوز، والمتصل بالـ كانال دو ميدي الذي يبلغ بدوره البحر المتوسط (راجع صفحة الملخص عن الـ كانال دو ميدي).

أولى المفارقات كانت طبعاً رؤية ضرير وسط الطريق العام، يدل بعصاه البيضاء أَحدَ المارة على طريق يعرفه بعقله. لا يصعب تصور فخره في تلك الأثناء.

ثم تسمع في نبرته ثقة وتفاؤلاً وفرحاً بالحياة، بينما تكثر في شوارع البلدان الصناعية وأخرى كثيرة تسعى الى نسخ الأسهل من مظاهر التقدم، عيادات نفسية معظم زبائنها من أثرياء أو ميسورين يائسين من الضجر، بكل ما لديهم من الصحة ومال يطوف بهم من رحلة سياحية الى أخرى، مع السيارات والسهرات والمطاعم والمسارح وما شئت... حتى يكاد يمثل المحتاجون فعلاً الى مساعدة نفسية، الأقلية بين المترددين على عياداتها.

فمن يرى ماذا؟

عيون ترى الجمال والألوان والقصور والفنادق والغنى.

لكن السعادة؟ إن رأت عيوننا شيئاً من النِعَم، بما فيها جمال هذا العالم، فقد أبصر جاري الضرير سعادة أعمق وأبعد وأكثر ديمومة، سعادة قد لا ترى عيوننا أكثر من بدايات طريقها إن لم ندخل رحابها بما يفوق حواسَنا الخمس.

فهل يتمتع جاري الضرير بنظر أبعد مما ظننت في بداية المشوار؟

لمحة عن "قناة الجنوب"، أو الـ "كانال دو ميدي" ◄◄◄

مصدر الصور: بشارة أبو النصر.